القرطبي

40

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قال ( 1 ) تعالى : " بيدك الخير " ( 2 ) [ آل عمران : 26 ] وأقتصر عليه فلم ينسب الشر إليه ، وإن كان بيده الخير والشر والضر والنفع ، إذ هو على كل شئ قدير ، وهو بكل شئ خبير . ولا اعتراض بما حكاه عليه السلام عن ربه عز وجل أنه يقول يوم القيامة : ( يا ابن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني ) فإن ذلك تنزل في الخطاب وتلطف في العتاب مقتضاه التعريف بفضل ذي الجلال وبمقادير ثواب هذه الأعمال . وقد تقدم هذا المعنى . والله تعالى أعلم . ولله تعالى أن يطلق على نفسه ما يشاء ، ولا نطلق نحن إلا ما أذن لنا فيه من الأوصاف الجميلة والافعال الشريفة . جل وتعالى عن النقائص والآفات علوا كبيرا . وقال في الغلام : " فأردنا " فكأنه أضاف القتل إلى نفسه ، والتبديل إلى الله تعالى . والأشد كمال الخلق والعقل . وقد مضى الكلام فيه في " الانعام " ( 3 ) والحمد لله . الثالثة - قال شيخنا الإمام أبو العباس : ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق تلزم منه هذه الأحكام الشرعية ، فقالوا : هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأنبياء ( 4 ) والعامة ، وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص ، بل إنما يزاد منهم ما يقع في قلوبهم ، ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم . وقالوا : وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار ، وخلوها عن الأغيار ، فتتجلى لهم العلوم الإلهية ، والحقائق الربانية ، فيقفون على أسرار الكائنات ، ويعلمون أحكام الجزئيات ، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات ، كما اتفق للخضر ، فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم ، عما كان عند موسى من تلك الفهوم . وقد جاء فيما ينقلون : استفت قلبك وإن أفتاك المفتون . قال شيخنا رضي الله عنه : وهذا القول زندقة وكفر يقتل قائله ولا يستتاب ، لأنه إنكار ما علم من الشرائع ، فإن الله تعالى قد أجرى سنته ، وأنفذ حكمته ، بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه ، وهم المبلغون عنه رسالته ( 5 ) وكلامه المبينون شرائعه وأحكامه ، اختارهم لذلك ، وخصهم بما هنالك ، كما قال تعالى : " الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس

--> ( 1 ) في ج وك وى : قاله . ( 2 ) راجع ج 4 ص 55 . ( 3 ) راجع ج 7 ص 134 فما بعد . ( 4 ) كذا في الأصول وهو واضح . ( 5 ) في ج وك وى : رسالاته .